القاهرة ليست كأى من عواصم العالم، لم أجد مثلها أبدا. لست من مواليدها لكن لها فى قلبى وعقلى فعل السحر، لا أقيس مساحتها بالجغرافيا، بل بالذكريات وعدد النبضات والخطوات التي مشيتها في زواياها. لوسط البلد في وجداني شعور خاص. فلم تكن شوارعها وميادينها مجرد ممرات, بل كانت ملاذاً دافئاً شهد تحولي من طالب بالجامعة يخطو خطواته الأولى، إلى صحفي شاب يتلمس طريقه في بلاط صاحبة الجلالة.
بدأت الحكاية في سنوات الجامعة، حين كانت النفقات محدودة لكن الطموحات أعلى من الناطحات. وكانت اللقاءات تبدأ عند تمثال طلعت حرب فى وسط ميدانه، من النادي اليوناني، بشرفته المطلة عليه. هناك فوق مبنى جروبي، كنت أجلس ومن معى لساعات، نطلب طعاماً متوسطياً وسلطة يونانية مميزة بأسعار تناسب امكانياتنا. كانت شرفة النادي أشبه ببرج مراقبة نرى منه حركة القاهرة التى لا تهدأ.
وعلى بعد خطوات قليلة من الميدان، كان مقهى ريش يستقر بشموخه كقبلة للمثقفين والأدباء والصحفيين وأيضاً السياسيين. في ريش، لم نكن نجلس مجرد جلسة عابرة على مقهى، بل كنا نتنفس تاريخاً وسياسة وثقافة، ونستمع بإنصات لحلقات النقاش بين المثقفين والمبدعين، فكان ريش هو الجسر الحقيقي الذي عبرت منه إلى عالم الكلمة والفكر، إن كنت بالفعل قد عبرت.
وكثير ما كانت تقودنى قدماى مشدودتين برائحة الدخان المنبعث من جنبات مقهى ستراند فى باب اللوق، وكأنه يغطى أجواء القاهرة.كان مقهى ستراند مميزاً بجاذبية لا تُقاوم، وتقديم الشيشة ليس كأي شيشة في بر مصر.
وغالبا وقبل التوجه لمقر عملى بجريدة الوفد"زمان"عندما أمر بشارع الجلاء فى محيط القنصلية الإيطالية القديمة، كنت أتوجه صوب مطعم نيو كورسال. فقد كان ملجأ دافئا بما يقدمه من الببيتزا الشهية وأطباق الباستا التي تميز بها. كانت جدران نيو كورسال وأجواؤه تمنحنى شعوراً بالسفر دون مغادرة القاهرة، وكانت أسعاره المتميزة تجعل منه مقصدى الأساسى في نهاية كل شهر. ووقتما كان السير فى قلب القاهرة الخديوية صباحا أو مساء يكون الأمريكين محطة مفضلة بعد جولات وسط البلد التى تهد الحيل. في الأمريكين، لم أكن أستطيع مقاومة رائحة القهوة و المخبوزات والحلويات. على طاولاته رسمت ـ كما غيرى ـ خريطة المستقبل، ونسجت أمنيات معظمها لم يتحقق.
كانت هذه المطاعم والمقاهي خلال الثمانينات والتسعينات أكثر من مجرد أماكن لتقديم الطعام، كانت صالونات ثقافية مفتوحة، ومدارس موازية تعلم فيها أبناء جيلى من الحياة ما لم تتسع له قاعات الدراسة. وكلما مررت بتلك الشوارع واستعدت تلك الأيام، يغمرني حنين جارف لزمن جميل مضى. زمن روحه وتفاصيله لازالت حية ونابضة ومطبوعه فى وجدانى، تماماً كشوارع القاهرة الخديوية الساحرة.
----------------------------
بقلم: أحمد بكير






